|
أبناء الموسرين وأبناء المعدمين غزتنا المدنية بجيوشها وتسللت إلى منازلنا ثم إلى أبنائنا وعقولنا فنعمنا بها وسعدنا بميزاتها وقد نكون اصطلينا بشيء من نيرانها وأتونها وسأعقد مقارنة بسيطة سريعة بين طبقتين وفئتين متقابلتين أبناء الموسرين وأبناء المعدمين وأقصد بأبناء الموسرين تلك المجموعة من الأبناء والبنات من أبناء ما بعد الطفرة وممن سبقهم ممن توفرت لهم وسائل العيش الرغيد والراحة والرفاهية أما الصنف الآخر فهم ما عدا أولئك من أبناء الجيل الماضي ذلك الجيل الذي عانى الكثير من شظف العيش وعوز المادة ونقص أو عدم كثير من الضروريات فضلا عن الكماليات أو من بعض أبناء هذا الجيل ممن لا زالوا يعيشون في مناطق بعيدة عن الحضارة والرفاهية وبعيدا عن متع الحياة المادية ووسائل العيش الرغيد .
أبناء الموسرين ولدوا وفي أيديهم كما يقال ملاعق من ذهب ولدوا والحياة تستقبلهم بهواء عليل وفراش وثير وغطاء يجلب الدفء والارتياح. أبناء الموسرين توفرت لهم مقومات الصحة الوقائي منها والعلاجي أخذوا من اللقاحات أغلبها إن لم يكن كلها , ومن التحصينات و التطعيمات ما كان جدارا فاصلا وعازلا قويا بينهم وبين الأمراض بفضل الله , وإذا تطفل المرض يوما ما إلى أجسادهم شنت عليه العلاجات بأنواعها والمضادات بأصنافها هجومها حتى تدحر هذا المرض وتطرد هذا المتطفل الغير مرغوب فيه .ولكن أجسادهم بعد ذلك لم تتعود الأمراض ,ولم تعتد مقاومة الفيروسات أو مكافحة الجراثيم ,ولم تأخذ من الشمس والهواء والتربة والطبيعة مقومات قوة وأسس صحة وعافية . أبناء الموسرين تناولوا من الغذاء أكمله وأتمه , ومن الفيتامينات أقواها وأفيدها وشربوا العصائر المغذية بأنواعها , و(حَلَّوا) بعدها بأنواع من الشوكلاتة والحلوى الشرقية منها والغربية , ولكنهم لفرط الحضارة وزيادة الترف والترفيه حــُرِموا من الطبيعة على طبيعتها ودَفع الكثير منهم ضريبة المدنية والحضارة المزعومة لبنَ الأم في الصغر وفاكهة الحقل وطبخ المنزل في الكبر. أبناء الموسرين استقبلتهم في هذه الدنيا أكف الخدم والحشم للاعتناء والنظافة والترفيه وبالمقابل انحرموا أو بعضهم من اليد الحانية يد الأم المربية يد الأم التي تهتم بأبنائها . أبناء الموسرين أغرقتهم ألعابهم وتنوعت أشكالها وتعددت طرق عملها فمنها الملموس المحسوس ومنها الالكتروني وألعاب الشاشة وألعاب الذكاء ولا ننسى معشوق أبناء الكثيرين ((البلاستيشن )) والبلاء سيشن بأنواعه من خلاله .وغيرها من أنواع الألعاب وأشكال الترفيه سواء في المنزل أو خارجه . وبالمقابل أبناء المعدمين وضيقي الحال ومحدودي الدخل فإن الحياة تستقبلهم بصعوباتها فالفراش خشن وقد يكون قطعة قديمة من فراش بال مهترئ والهواء على طبيعته يتقلب الطفل منهم بين هجيره وزمهريره , والغطاء إن وجد فهو شيء يسير يشترك فيه معه بعض إخوته أو يتوارثوه ليتنقل من كبيرهم إلى صغيرهم وإن لم يوجد الغطاء فيكتفى بحضن الأم عند اشتداد البرد عندما تجد الأم متسعا من الوقت لذلك .. لكنه مع نشأته في هذا الجو وهذا الوضع إلا أن عوده يكون أقوى وأصلب فلا تجده يتأذى من الحر أو يتشكى من البرد والقر , و لايعاني الأمراض الموسمية أو يحتاج لفراش يحمي جلدته من تراب الأرض أو غطاء يحمي بشرته من لفح الهواء . وفي مجال الصحة تنتابه الأمراض وتأتيه الأوجاع ثم ما تلبث أن تترحل عنه دون أن يُظهر لها شكوى أو أنين .لأنه يعلم يقينا أن لا فائدة من الشكوى والأنين البتة فعلاجه الصَبْر وإلا فالصَبْر ....تطعيماته ذاتية وتحصيناته طبيعية فقد تعاقبت عليه الأمراض حتى عافته وأصبحت لديه من المناعة الطبيعية ما يقاومها . غذاؤه بسيط متكرر لا يعرف أصنافا ولا يؤمل في أنواع , ولا تتشكى أسنانه هجوم السوس عليها فلا حلوى ولا(شيكولاتات أو مقليات ).عرف في طفولته المبكرة لبن أمه فقواه , ثم أخذ من لبن مواشيهم وفواكه مزارعهم ما غذاه , فصار جسمه أنحف من سابقه وبشرته أخشن ممن سبق الحديث عنه وملامحه أقل نضارة ولكنه أصلب عودا وأشد عضلات وأقوى جسما . أبناء المعدمين لم يعرفوا معنى مفردات الخدم أو الخادمات والسائقين والمربيات فلا مجال للحديث عن ذلك فأمه مربيته وخادمته وقد تقوم بالمهمة بعض أخواته حتى يكبر قليلا ليبدأ في خدمة نفسه بنفسه بل يكلف ببعض الأعمال التي تفيد الأسرة . ألعابه صنعها بنفسه من مفردات بيئته فلعب بالتراب والأحجار , وبقايا أثاث قديم وشيء من معلبات بسيطة فارغة رمتها له الأقدار هذه ألعابه يستمتع بها ويأنس معها فإن كبر قليلا تشاركت معه ساعات الفرح واللعب بعض الحملان الصغيرة , والقطط الأليفة . هذه حياة أبناء الموسرين وتلك حياة أبناء المعدمين أو قريبا من ذلك فما أثر هذا وذاك على الجوانب الصحية والجوانب الأخلاقية والنفسية والإبداعية . أشرت سلفا لبعض النواحي فإن أبناء المعدمين في أحيان كثيرة أكثر صحة وأقوى أجسادا وأكثر مقاومة للأمراض قبل حلولها ,وتحملا لها بعد حدوثها , وأقل تأثرا بها بعد تقشعها ورحيلها ..وعضلاتهم أقوى وأجسادهم أصلب ,وإن كان أبناء الموسرين أكثر نضارة وأرق بشرة وأنعم ملمسا . أخلاق أبناء الفقراء المعدمين في الأعم الغالب أحمد وأفضل فهم يعرفون للآخرين قيمتهم وخصال الاحترام للكبير والعطف على الصغير والمحتاج فيهم أوضح لأنهم لم يأخذوا عاداتهم من الخدم ولا آدابهم من العمالة بل آدابهم وأخلاقهم صورة مما لدى آبائهم وأسرهم. والحياء لدى بنات المعدمين والتمسك بالستر والعفاف والبعد عن التعري وعن سفساف الأخلاق لديهن أشد وأوضح من بنات الموسرين اللائي يتبارين في الانخلاع والانعتاق من الحياء ومقوماته ومستلزماته ويعبن على من تلتزم بسترها وعفافها ويصمنها بالتخلف . أبناء المعدمين يجدون للهدية قيمتها وللحوافز والجوائز أهميتها وللجديد مكانته , واحترامهم للنعمة من المأكل والمشرب والملبس وغيره واضحة أما أبناء الموسرين فالملل لديهم واضح والتذمر والتشكي بيِّن فلا طعام يعجبهم , ولا شراب يروق لهم ولا قيمة لجائزة أو حافز أو هدية ؛ لتوفر النعم بأشكالها والخيرات بأنواعها وبناءً عليه فالهمة عند أبناء المعدمين للوصول إلى مراكز متقدمة ومناصب مهمة تكون أكثر وأوضح وأقوى بينما أبناء الموسرين قد تنعدم عندهم هذه الهمة ,وتقل هذه الخاصية لعدم الحاجة في نظرهم إلى شيء من ذلك لوجودهم كل ما يحتاجون إليه وعدم وجود قيمة له لتوفره لديهم وبكثرة . وبناء على ما سبق كله نجد الجوانب الإبداعية والطموح والصبر على الإنجاز عند أبناء المعدمين أكثر وأكثر, والوقت للإبداع والإنجاز والابتكار والتألق فيه متسع , وذلك لعدم وجود المشغلات ولا الملهيات ,ولكون الحاجة للابتكار والإبداع والإنجاز عند المعدمين أشد. وإذا بحثنا عن أمثلة تؤكد هذا الكلام كان في مقدمتها وبكل وضوح سيد الثقلين الذي عاش يتيما ونشأ فقيرا معدما يتنقل من منزل أمه إلى مرضعته ثم جده وبعدها منزل عمه أبو طالب الرجل العائل الفقير , والذي جعل الرسول صلى الله عليه وسلم يقوم برعي أغنامٍ لقريش على قراريط يجمعها ليساعد بها عمه ,ثم انظر كيف تسنم العلياء وجاوز الثريا باصطفاء الله له وما اختياره من هذه البيئة إلا لسبب وحكمة عظيمة ثم يأتي من بعده صحابته رضوان الله عليهم ,وعلماء الأمة وحكماء الإسلام لو نبحث في سيرهم وطبيعة عيشهم لوجدنا أنهم نشأوا في بيئات أقرب للمعدمين وأبعد كل البعد عن الترف وحياة الموسرين. وفي العصر الحديث نجد الأمثلة المتنوعة من العلماء والمخترعين وغيرهم ومن الأمثلة الجلية الواضحة عبد القادر خان أبو القنبلة الذرية الباكستانية والذي كان يبيت طاويا جائعا ويمر عليه اليوم واليومان وهو لا يجد ما يسد رمق جوعه وإلى أن تخرج من الجامعة الباكستانية وهو على هذه الحال من العوز والفقر واللذان كانا وقودا للإبداع ومواصلة البحث والإنجاز وتحدي العقبات والصعوبات . لست هنا ممن يفضل ضنك العيش على رغيده أو ضيق الحياة على واسعها ,ولكنها مقارنة لنرى شيئا مما سلبته منا المدنية وأخذته منا الرفاهية ووسائل الراحة .ولبيان سبب من أسباب تدني المستوى الأخلاقي والإبداعي لدى كثير من أبنائنا ,ومن زاول العمل التربوي رأى ذلك وبوضوح وخاصة إذا قارن بين طلاب الأمس وطلاب اليوم وعرف إلى أي مدى أصبح الضعف والتردي في أبناء كثير من المسلمين سواء في الجانب الأخلاقي أو التربوي والتعليمي .وعرضت هذا الموضوع كي نعرف الخطأ التربوي الذي يقع فيه الكثير من إغراق ذرياتهم في الملذات وتوفير الكماليات وتلبية جميع الطلبات والرغبات لعدم معرفتهم بضرر ذلك على المستوى القريب والبعيد عليهم وعلى مجتمعاتهم .,ولست هنا أعمم الحكم عل جميع أبناء الفئتين ولكنه حكما على الأغلبية منهم .. نسأل الله تعالى العلي القدير أن يتم علينا نعمه وأن يرزقنا استخدامها في طاعته أولا ثم ما ينفعنا ويرفعنا في الدارين إنه على كل شيء قدير .. أبناء الموسرين وأبناء المعدمين
|